فخر الدين الرازي
91
تفسير الرازي
بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأموراً بها ، وقوله : * ( وجادلهم بالتي هي أحسن ) * ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع ، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه ، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة ، فكان الجدال فيه مأموراً به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله : * ( فاتبعوني يحببكم الله ) * ( آل عمران : 31 ) ولقوله : * ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) * ( الأحزاب : 21 ) فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال . وثانيها : قوله تعالى : * ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) * ( الحج : 3 ، 8 لقمان : 20 ) ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل بالعلم لا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً وأيضاً حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله : * ( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) * ( هود : 32 ) وثالثها : أن الله تعالى أمر بالنظر فقال : * ( أفلا يتدبرون القرآن ) * ( النساء : 82 ) ، * ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ) * ( الغاشية : 17 ) ، * ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) * ( فصلت : 53 ) ، * ( أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها ) * ( الرعد : 41 ) ، * ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) * ( يونس : 10 ) ، أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض ) * ورابعها : أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال : * ( إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ) * ( الزمر : 21 ) ، * ( إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) * ( آل عمران : 13 ) ، * ( إن في ذلك لآيات لأولى النهي ) * ( طه : 54 ، 128 ) وأيضاً ذم المعرضين فقال : * ( وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ) * ( يوسف : 105 ) ، * ( لهم قلوب لا يفقهون بها ) * ( الأعراف : 179 ) وخامسها : أنه تعالى ذم التقليد ، فقال حكاية عن الكفار * ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) * ( الزخرف : 23 ) وقال : * ( بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) * ( لقمان : 21 ) وقال : * ( بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) * ( الشعراء : 74 ) وقال : * ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ) * ( الفرقان : 42 ) وقال عن والد إبراهيم عليه السلام : * ( لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني ملياً ) * وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال ، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار . وأما الأخبار ففيها كثرة ، ولنذكر منها وجوهاً : أحدها : ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : " جاء من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال إن امرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل ، فقال : نعم قال : فما ألوانها قال حمر قال : فهل فيها من أورق ؟ قال : نعم . قال : فأنى ذلك ، قال : عسى أن يكون قد نزعه عرق قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق " واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس . وثانيها : عن أبي هريرة قال : قال عليه الصلاة والسلام : " قال الله تعالى : كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني ، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني . أما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولداً وأنا الله الأَحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد " فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء ، على القدرة على الإعادة ، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية . وثالثها : روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال : " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن